أرملة الصياد الطيب (قصة قصيرة)
الخريف يتململ والرياح تخنقه وتعتصره ، أنه يجر أذياله ، لقد ترك من ورائه أشجارا عارية وأوراقا متناثرة ، تدوسها الأرجل غير أبهة ؛ والرياح تتلاعب بها ككرة تتقاذفها من مكان لأخر دون حرج منها …إنها الطيبعة في تلونها ومتغيراتها ،فلا ثبات لها …تلبدت السماء فجأة واكفهر الجو واشتدت الرياح …إنه ينبيء بقدوم العاصفة؛ وحلول فصل الشتاء إنه على الأبواب …
لقد توفي زوجها سعيد الصياد الماهر منذ أشهر وترك لها أربع بنات وولد صغير …بسبب الكورونا الوباء اللعين الذي فتك بالأرواح لم يترك لا غني ولا فقير ولا كبير ولا صغير إنه وباء العصر الحديث سواء كان مفتعل أو لا ؛ فكل الأمم تعاني منه حتى المشتبه فيهم…
اقتربت زينب الأرملة من البحر تتفقد زورق زوجها وتتضرع لله أن يحميه من سطوة العاصفة الغاضبة ، وكان برفقتها ولدها الصغير ففتح كفيه وبدأ يتضرع معها ويعيد ماتقول أمه ودموعها سيالة بصمت … إنه مصدر رزقها ؛ كانت تبتلع دموعها حزنا على زوجها الطيب وعلى شوقها إليه وحنينها لحضنه الدافيء وعلى النقود التي اقتربت من النفاذ . ما تركه زوجها لم يكف خمسة أشهر …لا بد من التفكير في مواصلة العمل …ولكن الطبيعة اليوم غاضبة وخوفها زاد على مصدر رزقها …والصيادون كانوا بالقرب منها ، يحاولون تحصين زوارقهم بالحبال فلمحوها وعروفها من ولدها لأن والده كان يصطحبه بين الحين والأخر…
نادوا على الطفل ( باسم )تعالى عندنا ؛ سلموا عليه واحتضنوه …وبعثوا برسالة إلى والدته بأن زورقها في أعينهم المهم ربي يستر الجميع بالدعاء وسيشتغلون عليه مثل زوارقهم فلا تفكر في الأمر.
تقدموا جميعا من الزورق وحصنوه بالحبال مثلما فعلوا بزوارقهم؛تنهدت الصعداء وواصلت دعاءها وهي عائدة إلى بيتها مدت يدها إلى جيب صدرها ووجدت نقودا …الحمد لله الدعاء لا يكتمل إلا بالصدقة سأفطر مسكينا أو أكثر …وفعلا وجدت البعض منهم ، اشترت لهم لمجات ووزعتها عليهم
وعادت إلى بناتها … كان يوما شاقا مخيفا ولكنها تغلبت على مخاوفها باللجوء لله وبالدعاء دون توقف والاستغفار …إنه المساء وشاء القدر وبدأت الطبيعة تلين والعاصفة تهدأ والرياح تخفت رويدا رويدا حتى عاد الطقس إلى طبيعته…رن هاتف والده المتوفي أسرعت بنتها الكبرى للرد …أخبرها أحد أصحاب والدها…أن الله ستر عليهم جميعا ولم تصب ولو واحدة…إنه بفضل دعاء والدتكم وطيبة والدكم …
الاستاذة : شباح نورة
الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق