الجمعة، 30 أكتوبر 2020

.جاء الشتاء،،،،، بقلم عبير جلال

 .جاء الشتاء،،،،،

وأتت معه رسائله،تلك غيوم في السماء،،وظلام دامس يعم الأجواء،،
ليل عليل،،وأهات تجوب بين الضلوع
وحدة قاسية،،وصمت قاتل لكل الأمال،،
برودة تقشعر لها أنفاسي
وذكريات تشق جدران الصمت
وتعتلي نعاس أجفاني
تتساقط قطرات الأمطار،،على حافة
نافذتي تحدث صوت خافت على الزجاج،،وكانها دقات قلب حبيب فؤادي،،
أنظر للسماءأغوص بين حنايا السحاب،،
فإذا بي أرى وجه كالقمر ضياءه وهاج،،
إنها رسائل الشتاء،،،،
وقد عادت بكل قوة
لتشق الصدر لتنزف الجراح
حاولت كثيرا النسيان،،
حاولت أن أتناسى مافعله بي الزمان
كنت أظنها ذكرى،،،
لن تعود مهما جرت الأيام
كان الهروب إختياري
من قصة لم تكتب لها النجاة
كان أول حب يطرق ابواب قلبي
ويسكن روحي المشتاقة للحنان
كانت له نظرات تذيب فؤادي
حديثه ساحر يخلب الألباب
نال إعجابي فقد كان جذاب
فقد كان كوهج الفنار
في ليالي الظلام
حديثه شيق ورقة نظراته
صوته وكأنه لحن كمان
لافت للأنظار ساحر للعيان،،
لا أدري كيف وقعت في الغرام
تواعدنا على اللقاء،،،
برغم ظروف حياتنا التي تقف عائق
أمام قصة حبنا ،،
توالت لحظات لقائنا
وإرتبطت قلوبنا
كإرتباط النجوم بالسماء
كانت قصة حب فاقت الخيال
همسات لا يسمعها إلا قلوبنا
ونظرات تطرب أرواحنا
وحديث صامت لايخطر
على بال أنس ولا جان،
ومرت الأيام تتبعها سنوات
وأنا كما أنا غارقة في بحر الغرام
أخطو خطوات حياتي
وكأني أخطوها في الفراغ
أين أنت من تلك الخطوات
ياحبيبتي أعذريني،،،
لا أملك القرار،
فحياتي ليست ملكي
بل ملك شركاء حياتي
وأنا ،،،،،من اكون بالنسبة لك
أنت،،، حبيبتي ومهجة حياتي
أنت،،، منصفتي وراحتى من أهاتي
أنت ،،،السكينة والأمان
أنت،،، الحب الدافء الساكن فؤادي
أنت ،، حبيبتي ومحور حياتي
أنت،، قصة حبي التي
لن تنتهي مهما مر بي الزمان
وقفت صامتة،،
والوجوم يملأ نظراتي
هل ضللت طريقي
أم غرقت في بحر عواطفه
كيف بإسم الحب
إستباح ليالي عمري
أحببته بكل حواسي
أحببته بإخلاصي ووفائي
أكنت بلهاء،،،
ولم أحسن الإختيار
ولكن هل للقلب إختيار
حين وقع في بحر الغرام
حاولت أن أستمر،،برغم كل المخاطر
بادلته حبي وعشقي وحناني
لم أبخل عليه بإحساسي
كنت دائما ملجاءه
وفراره من كثير من الهموم والألآم
كنت ألملم أشلاء روحه
المنهارة عند كل مواجه
مع شركاء حياة
كنت أنا مرفأ الأمان
وحضن ينسى فيه
كل ذكرياته الأليمة مع الحياة،،
زادت الخلافات وأصبحت
الحيرة محور حياته
تغير بعض الشئ في تعاملاته
كان كثير الغياب،
وساد الصمت معظم
أوقات حياتي،،
شعرت بإنهيار قصة حبي
كنت أرى نفسي
أشلاء مقطعة متناثرة في أحلامي
كنت أرى أمواج تلاطمني
تكسرني على حافة الصخور
إنها أحلام مزعجة
كوابيس إعتلت منامي
سألته متى تأتي،،،
متى تعود ،،لتعود السكينة لأحلامي
إني في شدة إحتياجي لك
ولكنه أعتذر بأعذار واهية
عرفت أني لم أعد محور حياته
هنا،،،إتخذت قراري بالإنفصال
إنها قصة حب عقيمة
لم تنجب أحلام سعيدة
لملمت أشلائي وذكرياتي الجميلة
وقررت أنسحب من أجمل
قصة حب في حياتي
إنسحبت بهدوء
وهربت بلاوعي
أتخبط في جدران أحزاني
أرتميت في أحضان الحياة
وأصبح البكاء رفيق أيامي
وحسرات تملكتني وسكنت وجداني
أصبحت حياتي،،ضياع في ضياع
إختفت السعادة من حياتي،،
وكست الكآبة ليالي عمري
إختفيت من حياة حبيبي
وتناسيت ملامح وجه الساكن أجفاني،،،
مرت الأيام تليها السنين
وكنت على أمل أن يبحث عني
وتعود السعادة معه
وتعود الحياة مرة أخرى لوجداني
إنها كذبة عشتها ،،بكل تفاصيلها
كنت أعيش كذية
من أكبر أكاذيب حياتي
فقد إختفى و ذاب في معترك الحياة
ونسي من كانت له
كالماء والهواء في حياته
أكانت حياتي معه
قضاء أوقات جميلة
وكلمات هادئة معسولة
تخلب فؤادي وتغرقه عشق
ورغبات مكبوته يفك قيدها
في أحضاني،،
أم كذبا ورياءا
كانت لحظات كلها خداع
أدركت بعد فترة،،أن حياتي معه
كانت هشة و عمري ضاع هباء
أغلقت كتاب ذكرياتي
وعشت حياتي تحاول النسيان
غصت في بئر الإنشغال
وإحتلت على أحزاني
وحاولت أن أبني حياتي
وحزفت كل ما آلمني
من كتاب ذكرياتي
لبست قناع السعادة
وتعالت ضحكاتي
ظهرت وكأني ملكة زماني
وكتبت في كتاب حياتي
كم أنا محظوظة وفرحة بذاتي
تمر الايام ويبوح قلبي
بين ضلوعي بأوجاعه
وشوقه لحبيبه الغائب
ويترامى لعيوني
كل شتاء شريط ذكرياتي
مع تساقط قطرات الأمطار
تعود بكل قوة ذكرياتي
تجتاحني وتزلزل كياني
إنها رسائل الشتاء
تبوح بكل بأسرار
عشقي وحب حياتي
بقلم عبير جلال
مصر،،الإسكندرية
٣٠/١٠/٢٠٢٠

مع المرحوم الشاعر الصغير أولاد حمد حبيب البلاد كما لا يحب البلاد أحد. (2) بقلم الأديبة ريم العيساوي

( 2)من المؤكد أن حب الصغير أولاد أحمد لتونس، حب متفرد نابع من إيمانه بقداسته ، وهو الذي يفنى ويحيا بهذا الشعورالذي كان علة وجوده ،وكم تغنى بانتمائه وحلم بلحظة التغيير :" لامَني الصمتُ على صمتي الطويلْ / وعلى خوفي من الخوف العليلْ / لم أكنْ وحدي أنادي / "ارحلوا الآنَ وفورًا...ارحلوا الآنَ "/ ..فكانوا يرحلون / تونسي مرة واحدة / تونسي دفعة واحدة أو لا أكونْ / أكتب الآن نشيدي بدمي / لشهيد كان صوتي وفمي / لغدٍ لم يأتني يا صاحبي منذ قرونْ / تونسيّ مرة واحدةً / تونسي دفعة واحدة أو لا أكون ).
وهو الشاعر الذي حمل جمرة التحدّي سنينا طويلة وهذه صورة من تحديه في الأسر وهو يهيم بحب تونس:" طويت سجونكم طيّا / وها أني هنا أقف وأعترف / أنا العرق المصنّف في موائدكم / أنا الأزهار والنوار والخزف / حيوط السجن مرآتي وصورة ظلي ميقاتي / وإخواني إذا هدفوا / أنا المشوار والهدف / نقابي ومعترف ومنضبط ومختلف / ونور الفجر ينظرني / وهذا الليل منصرف / أتتني القفة الأولى فلم أبصر بها قلمي /..
فتحت القفة الأخرى فلم أعثر على بلدي / أنا الربح المسجل في خسائركم / أنا الصدر صوت الباب ميقاتي / وخد الماء مرآتي".
ويحتدّ الشعور الوطني حين يفضح أعوان الحاكم المخبرين، بقصائد كثيرة منها قصيدته إلى المخبرين :" ليس للمخبر الآن أن يستظل بظلي /وأن يرجم الطير في شفتي / فأنا ملك الليل لا سر لي/ غير وجهي وحبري المراق على سورة العاصفة /..وليكن ما يكون / إنما ليس للمخبر الآن أن يستظل بظلي/ وأن يرجم الطير في شفتي / فأنا أحنو على المخبرين جميعا / وأقسو على شفة باردة .
وما تجسده صرخة الشاعرللاله سوى صورة عن حرقته ولوعته وحدة تألمه ومعاناته من القهر والاستبداد :"
الهي أعني عليهم /عقروا ناقتي وأباحوا دمي / في بيوت أذنت بأن لايراق دم فوق سجادها / الهي أعوذ بك الآن من شر أهلي /يبيعون خمرا رديئا ويؤذون ليل السكارى البريء /الهي لقد تم بيع التذاكر للآخرة ولم أجد المال والوقت والعذر كي أقتني تذكرة/ فمزق تذاكرهم يا الهي ليسعد قلبي /ألم تعد الناس بالمغفرة/الهي أريد جرادا لكل الحقول /ومحو جميع النقاط وقحطا لكل الفصول وطيرا أبابيل للاحتياط / صدقت الهي أن الملوك كما الرؤساء إذا دخلوا قرية أفسدوها /فخرب قصور الملوك ليصلح أمر القرى/ الهي لينبت دود مكان البلح/ ذهبنا جميعا إلى الانتخاب ولم ينتخب أحد من نجح / الهي حبيبي ويا سندي نشرت كتابا جديدا فبعه بلا عدد /الهي السجين لدى الأنبياء لماذا نزلت إلى ارضهم/وأسكنتني غيمة في السماء /الهي إذا كان لابد أن أدخل الجنة المشتهاة فلا تدخل الاتقياء معي /الهي أدلك فورا عليها على شفتيها على حلمتيها على اسمها العائلي على شعرها العسلي على ماتقول ولا تفعل/ اله السماء أضفها إلى سورة الشعراء/ الهي سمعت تقاة يقولون عنك كلاما مخيفا فحادَفــْـــتهم بالكتاب استوى حية لدغــَــتهم جميعا وعادت كتابا الهي العلي ألا يمكن القول إني نبي ؟؟
وتبرز وطنيته في شدة سخريته من الحكام فلم يكن خجولا من إبداء سخطه على الرؤساء والملوك، إذ ورد في ديوان " نشيد الأيام الستة "موجها الخطاب للرئيس الراحل بورقيبة “أنا لا أعشق الرؤساء لكني سأمشي في جنازتهم”، ويوسع الشاعر جغرافيا الازدراء لتشمل بقية الحكام العرب الذين يسحب عنهم أي غطاء للشرعية، واصفا إياهم في مجموعة "تفاصيل “هذه الأمة لا يمثل حكامها سوى زوجاتهم ورهط من مهربي المخدرات ومحتكري المعادن "
كما تمرد على سلطة الكهنة فهم يتطيرون منه ومن كتاباته لكونه يؤمن بإله أجمل من إلههم هكذا يلخص الكاتب التونسي سليم دولة –أثناء تقديمه لمجموعة “تفاصيل "
"المعارك التي خاضها أولاد أحمد مع رجال الدين ومناصريهم. كان جريئا في إرهاق الخطاب الديني بالأسئلة لينزع عنه حجاب التقديس وصبغة الإطلاقية، وتتواتر نبرة التشكيك في احتكار رجال الدين للحقيقة في أكثر من قصيدة، حيث كان الشاعر يتساءل في ديوان نشيد الأيام الستة “ماذا ستأوي النار والحجّاج قد نزعوا جرائمهم بمكة ثم عادوا؟”
كان أولاد أحمد يصف مشايخ الدين الأصوليين بـ”أصحاب المقاعد المحجوزة في السماء” و”سفراء الله” اقتباسا عن الفيلسوف الألماني نيتشه، فطارَده التكفير والتصقت به صفة الزندقة، وقد اتهمه الداعية يوسف القرضاوي بالإلحاد والتطاول على الذات الإلهية في كتاب له بعنوان “التطرف العلماني في مواجهة الإسلام”، وذلك على خلفية قصيدة “أدعية” الشهيرة التي نشرها الصغير أولاد أحمد سنة 2007، ومطلعها “إلهي"
والتي وظّف فيها المعطى الديني توظيفا فنيا الأمر الذي أثار حفيظة مفتي الإخوان المسلمين و يسخر من تفكيرهم :
"الريح آتية وبيوتهم قشّ/والكفّ عالية وزجاجهم هشّ/ لا تحزنوا يا إخوتي أبدا / إن شردوا طيرا يمضي إلى العشّ"
ومع صعود الإسلاميين إلى سدة الحكم في أكتوبر 2011 وما رافقه من اكتساح الخطاب الأصولي التكفيري للشارع التونسي، لم يكف أولاد أحمد عن معارضة تستر الإسلام السياسي بالدين لتحقيق أهداف سلطوية، وهو ما جعله عرضة للاعتداء بالعنف اللفظي والمادي من قبل مجموعة محسوبة على التيار السلفي في أوت من سنة 2012، وقد علق على هذا الاعتداء آنذاك ” تلقىت شيئاً من الثقافة التي يبشر بها السلفيون" .
و على خلفية مقال نشره سنة. 1984بجريدة الموقف تحت عنوان “الإيديولوجيا والتكنولوجيا” دعا فيه المؤذنين إلى حسن استعمال مضخمات الصوت، تعرض الشاعر إلى حملة شيطنة من قبل بعض الصحف المحلية ويعلق أولاد أحمد متهكما على هذه الحملة في كتاب تفاصيل “قادت هذه الحملة صحيفتان هما “العمل” و”الأنوار التونسية” ورمتاني بالكفر والزندقة والمروق وبنعوت قروسطية أخرى لم أر أكثر منها كفرا واستخفاف بالدين منذ مجيء الإسلام مثل قول أحدهم إني الشيطان ذاته. والشيطان فيما أعلم لا يلبس حذاء ولا يأكل ولا يكتب بالعربية الفصحى مثلما أفعل أنا .
مات محمد الصغير أولاد أحمد. الشاعر الثائر الذي كانت القصائد تسيل من جسده كما يسيل الدم من صدر فارس جريح في ساحة حرب، وظل معانقا قصيدة الوطن حتى لحظة الوداع الأخيرة ، حين لبى الخالق
مات محمد الصغير أولاد أحمد. الشاعر الثائر الذي كانت القصائد تسيل من جسده كما يسيل الدم من صدر فارس جريح في ساحة حرب، وظل معانقا قصيدة الوطن حتى لحظة الوداع الأخيرة ، حين لبى الخالق نداء روحه في المستشفى العسكري بالعاصمة ،ولم ينس تونس فخاطبها : (تونس/ سلّمتُ في الدُّنيا.../ وقلتُ: أكونُها:/ شعرًا/ ونثرًا/ ناقدًا/ ومُبشّرًا/... طولَ الفصولِ الأربعهْ/ أنْثَى/ وأمّي/ ليس لي .... قبْرٌ/ في المَا-بعْدُ/ (في الأُخْرى)/ سوى هذي الحُروفِ الأربعهْ). شاعر بمزاج العديد من الشعراء .
وبعد سنوات من المقاومة رحل الشاعر مساء 5 من أفريل سنة 2016 تاركا حزمة من الوصايا وحقولا من القصائد وصفها في ديوان "نشيد الأيام الستة “قصائدي جيش من الأحلام منتشر على الدنيا ".وودع قائلا :" أودع السابق واللاحق / أودع السافل والشاهق / أودع الأسباب والنتائج / أودع الطرق والمناهج / أودع الأيائل واليرقات / أودع الأجنة والأفراد والجامعات / أودع البلدان والأوطان / أودع الأديان / أودع أقلامي وساعاتي / أودع كتبي وكراساتي / أودع المنديل الذي يودع المناديل التي تودع ."


مع المرحوم الشاعر الصغير أولاد حمد حبيب البلاد كما لا يحب البلاد أحد. (1) بقلم الأديبة ريم العيساوي

مع المرحوم الشاعر الصغير أولاد حمد حبيب البلاد كما لا يحب البلاد أحد. (1)
إن الشعر الوطني محوره الوطن ،هو أنشودة الشعراء ومعزوفتهم الأثيرة ، وسمفونيتهم الحالمة بالحب والجمال والحرية وبالصفاء والأمل ، يشدون به
مركزين على القيم الإنسانية ويطرّزون به قصائدهم مخلّدين أثرهم و مآثر أوطانهم فاضحين أعداءهم ،متجاوزين ذاك الرباط الجغرافي المحدّد في المكان إلى روابط مقدسة تعزّز الميثاق الروحي والوجداني والإنساني في صورته المجردة .
وينهل الشعر الوطني في جوهره من معاني الحرية والعدل والحق ورفض الذل والتحدي هذه خيوط من إبريز يوشّي بها الشعراء جلباب القصيدة الملتزمة حاملين هموم المجتمع على أعتاقهم باثّين فيه الوعي ،شاحذين همّته.
ومن المتفق عليه أن الظروف السياسية الاستعمارية في مطلع القرن التاسع عشر أي العصر الحديث أدت إلى ظهور الشعر الوطني وولادة مفكرين وأدباء وشعراء حاملين حسا وطنيا عميقا ووعيا بروح الهوية والانتماء للذود عن الوطن ، وفضح مظالم المستعمر وكشف جرائمه ، .وهنا يرمي الشاعر إلى تشكيل وجدان الشعب وموقفه الشعوري إزاء الأحداث التي تحدق به .وهدفه أساسا تقوية ثقة الشعب بنفسه وإيمانه بقدرته على التغيير و الإصلاح من أجل حياة كريمة .
ورواد الشعر الوطني كثيرون على سبيل الذكر في ( مصر: محمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، وحافظ ابراهيم، ومحمد عبد المطلب، وفاروق جويدة، وأمل دنقل. ومن تونس: أبو القاسم الشابي. ومن العراق: نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور. فلسطين: محمود درويش، وفدوى طوقان. سوريا: نزار قباني وغيرهم )
وصورة الوطن سمفونية ألوان ودلالات وإيحاءات من حرير المعاني وعبق الكلمات ، تتلون بوجدان كل شاعر وتنحت صورته من رؤاه وتطلعاته وأحلامه ،تراها عند أبي القاسم الشابي شرعة مقدسة ترتقي إلى رتبة العقيدة وهي تضحية وفناء في الوطن، عشقا خالصا واستعدادا لبذل الروح فداء له . وكثيرا ماجسد الشابي وطنه في صورة الحبيبة :
(َأنَا يَا تُوْنُسَ الجَمِيلَة فِي لُجِّ الهوى قَدْ سَبَحْتُ أَيَّ سِبَاحَهْ. شِرْعَتي حُبُّكِ العَـمِيقُ وإنِّــي قَدْ تَــذَوَّقْتُ مُرَّهُ وَقَرَاحَهْ. لستُ أنصاعُ للوَّاحي ولو متُّ وقامتْ على شبابي المناحَة. لا أبـــالي وإنْ أُريقتْ دِمائي ، فدماء العشاق دوما مباحة )
كما نراها في الدفاع عنه و توّعده للعدو:( حذار فتحت الرماد اللهيب * ومن يبذر الشوك يجن الجراح)
وفي نزعته الإنسانية بقوله : إذا الشعب يوما أراد الحياة * فلا بدّ أن يستجيب القدر
ومن لا يحبّ صعود الجبال يعش أبد الدّهر بين الحفر)
وهذه النزعة الإنسانية حققت لشاعرها الخلود، إضافة إلى إصراره على إذكاء الروح الوطنية في النفوس رغم الصد وقصيدة النبي المجهول تجسد حزن الشابي على صد شعبه له وعلى ما أصابه من هوان (إنّما عبرتي لخطب ثقيل قد عرانا ولم نجد من أزاحه )
صورة الوطن المستسلم الخانع فيثورعليه : فما لك ترضى بذلّ القيود وتحني لمن كبّلوك الجباه / وتسكت في النفس صوت الحياة القويّ إذا ما تغنّى صداه )
وفي قصيد الشابي « إلى طغاة العالم» يتراءى لنا غضب الشاعر ورغبته في التغيير الجذري، تلك الرغبة المشحونة بالثقة في المستقبل الذي لطالما رأى فيه شاعرنا مقبرة للطغاة وخلاصا للمظلوم فيهدد: سيجرفك السيل، سيل الدماء * ويأكلك العاصف المشعل
وكما يتغنى الناس ببيت الشّابي:
" إذا الشعب يوما أراد الحياة * فلا بد أن يستجيب القدر" ،فهم يتغنون ببيت أولاد حمد
نحبُّ البلادَ كما لا يحبُّ البلادَ أحدْ /صباحًا مساءً وقبل الصّباحِ وبعد المساءِ ويوم الأحدْ / ولو قتّلونا كما قتّلونا ولو شرّدونا كما شرّدونا لعُدنا غزاة لهذا البلدْ/ وعادَ إلى أرضنا الشجرُ/ وعادَ إلى ليلنا القمرُ/ وصاحَ الشهيد / سلام سلام على من صمد / نحبُّ البلادَ
لكي لا يحبَّ البلادَ أحدْ / ولو قتلونا ولو شردونا لعدنا غزاة لنفس البلد .
كتب المرحوم الصغير أولاد حمد، أول ديوان شعري :" نشيد الأيام الستة "عام 1984 في عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وقد كشف الديوان ملامح شاعر متمرد وثائر ضد السلطة مما جعل النظام التونسي آنذاك يمنع توزيع ديوانه الذي بقي محجوزا حتى 1988
وبعد عام من نشر ديوانه الذي انتقد فيه بأسلوب شعري ساخر ومتمرد وخارج على المألوف اندلع في تونس ما يسمى بأحداث الخبز عام 1985 والتي ثار فيها الشعب ضد نظام بورقيبة .
في تلك الأحداث كان الصغير أولاد حمد واحدا من المتمردين على النظام بسبب احتجاجه على مظاهر الاستبداد وقد سجن لفترة قصيرة بعد توقيفه خلال اعتصام نظّم آنذاك للدفاع عن نقابة الاتحاد العام التونسي للشغل ثم طرد من عمله بإحدى دور الشباب.
توقف إنتاجه الشعري لخمسة أعوام في فترة مرت فيها البلاد التونسية بظروف خاصة بعد مرض الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة وتقدمه في السن إلى أن جاء مولوده الشعري الثاني بعنوان "ولكنني أحمد" بعد عامين من انقلاب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي على بورقيبة عام 1987 .
في بداية فترة بن علي واصل النظام ملاحقته وطرده من عمله مما دفعه للسفر إلى فرنسا، وقد عاد مطلع التسعينيات إلى تونس بفكرة تأسيس بيت للشعر، تحققت سنة 1993 حيث أسس أول بيت للشعر في تونس وأداره من 1993 إلى 1997 .
كما خاض تجربة النثر من خلال مجموعة “تفاصيل” التي صدرت سنة 1991 و”القيادة الشعرية للثورة التونسية” سنة 2013، علاوة على العديد من المقالات الصحفية المنشورة في تونس وخارجها .كان المرحوم الصغير أولاد أحمد محاربا شرسا على عدة جبهات .
وفي ظل انتشار المحظور السياسي كان أولاد أحمد ينظر إلى الشعر بوصفه فعلا يؤسس لتحرر الإنسان من قيود السلطة، ويلخص هذه الوظيفة في عبارات مكثفة وردت بديوان "الوصية " المنشور سنة 2003 بقوله “إن الشعر ليس حرفة معزولة عن التكوين والتاريخ، بل فعل كينونة، متجدد باستمرار، لا معنى له خارج أفق الخلق الحر"
حاول نظام بن علي أن يكسب ودّ الشاعر بمنحه وسام الاستحقاق الثقافي عن فكرة تأسيس بيت الشعر.
لكنه رفض تسلم الجائزة، وبقي تحت المضايقات يكتب الشعر ويسخر من النظام رغم طرده من العمل بوزارة الثقافة التي كان يعمل بها ملحقا ثقافيا .
( وقد قال في حوار له سنة 2004 ساخرا من بن علي “كان لدينا رئيس يتكلم وُيمسرح خطابه والآن أصبح لدينا رئيس لا يتكلم ونسمعه مُسجّلا )
قبل اندلاع الثورة التونسية كتب قصائد شعرية استشرف فيها الثورة وهو ما جعل العديد من المراقبين يعتبرونه شاعر الثورة .
في المقابل، حصل على جائزة قرطاج العالمية للشعر عام 2011 وذلك في إطار الملتقى التونسي الإسباني الأول للثقافة.
نحن أمام "مسيرة أدبية صاخبة امتدت أكثر من ثلاث عقود، تخلّلها القلق والمنع والفرح والتمرد، امتهن فيها أولاد أحمد معاني جديدة للصعلكة الشعرية، مُعلنًا الخروج على سلطة الملوك والرؤساء ورجال الدين، ليجعل من الشعر حالة احتفاء دائمة بحرية الإنسان" .
لقد خاض المرحوم معارك عديدة ضد استبداد الادارة واستبداد الدولة واستبداد النقد الأدبي واستبداد التأويل الديني لكنه أعلن هزيمته أمام القدر المحتوم ( الموت ).



قراءة انطباعية في قصيدة..عاشق السافرة للشاعرة التونسية هادية أمنة بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 قراءة انطباعية في قصيدة..عاشق السافرة للشاعرة التونسية هادية أمنة

تصدير: ليس الشعر أن تقول كل شيء، بل أن تحلم النفس بكل شيء -سانت بوف-.
القصيدة تطرح أسئلتها،وتنفتح عند تفاصيل الدهشة حيث النص يخترق الذاكرة،ويلملم الحلم والغياب في مشهد يتشكل كلوحة يتوغل فيها السحر والمعنى والاحتفال..
هذه القصيدة (عاشق السافرة) تفتح نوافذ الشاعرة الشابة (هادية أمنة) على مساحات سرية تقفل رؤيا الشاعرة على قراءة الرمز والحلم بين تراكيب لغوية مكثفة يتشيأ فيها (النص) أحيانا كوحدات قلقة..يفتض عوالمه المشبعة بالحلم والاتساع..أو بين (تهويمات) غنائية،تسعى فيها الشاعرة إلى استبطان الداخل اللغوي المشبع بسرد انتقائي،تحاول أن تتنفذ منه الى حيز آخر،يحيل فيه النص الى علاقة وصفية / رؤيوية..تمزج بين اتساع الحلم ومحدودية اللغة.
في قصيدتها (عاشق السافرة) تتمثل إلى هذه المحاولة القلقة القائمة على مساحة من التأمل والانفعال باللغة والمعنى..واغواءات الحلم،حيث تحتال بالانفعال في تتبع لغة تخرج من ثقوب ذاكرة غائمة متعبة،أثقلتها الخيبات والمواجع،كي تكتب فاتحة الرؤيا للحلم الذي يملك سر الكلمة والبراءة..
إن مسعى الشاعرة إلى اقتفاء تضاريس النص،هو محاولة إيقاف حركة زمنها الشعري عبر محاولة استقراء حلمها،في رؤيا تستبطن كشوفاتها،وتشكل تواصلا مضادا إزاء زمنها المجهض المغمور بالغرابة والتماس المعنى الشمولي عبر وعي اشكالي يمكنها ان تكشف جوهر هذا الزمن بكل ما يحمله من اضطراب وغياب... وموت... انه زمن خام... قلق... غير مبرر احيانا تتوخى فيه الشاعرة فكرة الجوهري / الشعري المشرع على احتمالات التأويل والمبني على (الهمس والتلمس والحس) وهذا الزمن الذي تحاول قراءته الشاعرة يحيل حتما الى محاولة كشف استبطانات اللغة التي تعتبر الشعر ضرورة كما يقول جان كوكتو في استحضار الحلم والرؤيا والاحتفال...
تقول الشاعرة التونسية هادية أمنة:النّهر مُشربٌ بحُمرة الغروب/تحلّقُ على صفحاته غربان الخطوب/تَغتسِلُ فيه من آسنات الذنوب/ينفلتُ عاريّا من الأعماق/غائصةٌ قدماه في يمّ الأشواق/يلُفُّ جسده بتُراب الأرض/متمتما" داومتُ على/أداء الفرض "/داخلا في شرنقة من طين ./آملا لناره النزقة أن تستكين/ساهما مُحدّقا في شُعاع الشمس/محرّما على ذاته أبجديّة اللّمس/واقفا هو مكتوم الأنفاس/يقتُل العدم في لجّة الإحساس.../المسافة بعيدة والزّمن شحيح/تنفلتُ إمرأة تُعانق الرّيح/كساؤها شعور وعطرها نور/تتقافزُ ..تتعابثُ وداعةً/تلهجُ بِوقعها المُنغّم التسبيح روحه المرتدة من بصره/يعتصرُ العمر من أجلها فحيحا يتلوه فحيح/تخطو بمَلكة الأنثى على أرضه الرّخوة/وقد أفنت رائحة الذكورة فيه زبدا لبحرٍ تعلوه رغوة/الجحيم لا يطفئه حجاب ولا عريّ/ما ذنبها ولا عما ذنبها خلق بديع جاءت إلى الدنياء سافرة/دقّت جِيادُ العرب حربا عليها..عاصفة عاتيّة .بقيودهم هي كافرة/مُروّعة هي شاهقة النّفور خَلقً مُنعتق من ثورة الشكّ تثور/لاسعة نظرتها كسيخ الحديد يُديم البصر ثمّ يُشيح/تتمرّغ عيونه على صدرها النافر الجسور/يتلمّظ عطشا إليها../مُستعصيّة هي كسرّ دفين تتساند الرغبة فيه براكين../
من جبل الجليد الكامن فيه اللعين
دككتِ حيطاني ذاتي المتداعيّة "لا أحبّك..لا أحبّك يا إمرأة فأنت ضلعي بل أشتهيك شهوة راغيّة"/لا تتعجّبي من طمعي الأزلي للنساء/أقوال السّلف تقوى والحوريات هل كنّ استثناء؟؟/تهادت إليه لحنا قدسيّا ألجم عواء الريح القريب البعيد/سافرة نطقت الحرف تسابيح فباركها ربّ القصيد/حفنة من ماء من كفّها عليه تنثر تنقلُ النّهر طقوسا إليه../أسطورة النشء تسأل/سافرة هي على المذبح تُنحر..
.. انه عشق بل قل شوق أنثوي تقيم الدهشة والغرابة طقوسه التي تحيل اللغة احتفالا له طابع هلامي يتوغل احيانا عبر الذاكرة المفزوعة بالخراب والفوضى وتمرّد الأنثى على الطقوس القبلية البالية..
إن قصيدة«عاشق السافرة» لا تذهب بعيدا عن محاولة إعارة النص بعض التفاصيل التي تشبع الرغبة الأنثوية بسرد انتقائي.. تلتمس تفاصيله الشاعرة عبر شبكة من العلاقات اللغوية / الصورية التي تستبطن (معنى) قائما سلفا،حيث تلج المرأة تضاعيف المسكوت عنه..
وتمور نواميس الشبق في وجدان أنثى أرهقته الرغبة العاصفة..لتستمرئ الشاعرة لحظتئذ وقع -تمرده-على زمن ملغوم بالدهشة والغرابةوالتابوهات..انه زمن (الخارج) الذي تهزم فيه..وتحاول عبر -عشقها السافر-إيغال الرؤيا في تفاصيل تجعل النص الشعري احتفالا ما، يبهج الشاعرة أو يؤلمها عند تخوم العطب...
ولصياغة فضائها الشعربي إزاء هذا التمرّد والعصيان تبدأ الشاعرة بالكشف عن تراكيب تندغم فيها الصور سريعة مقطوعة، بمساحات صورية أخرى..بطيئة تحتال باللغة وتتورط معها في استطرادات تثقل النص احيانا بالتجريد والتعمية المقصودة..وهذه التراكيب الصورية التي تشكل فضاء النص تبرر الى حد ما وعي الشاعرة إزاء تركيبة النص الحداثي..فالنص المفتوح على الاحتمال والمعنى تكشف فيه الرؤيا عن عوالم متراكبة مأخوذة بالاستطراد كإشكال لغوي وبالتوالد كإشكال بنيوي...
انها تأخذ في قصيدة (عاشق السافرة) مثلا إيقاعا شكليا متفاوتا يمزج بين (نثرية) المعنى والخطوط الحلم التي لا تفتأ أن تكون إيقاعا آخرا يتلجلج بشعريته وسط متون متفاوتة في شدها واتساعها،بحيث لا تخشى الشاعرة إزاءها فراغات النص...وبياضه..انها تقترح فضاءا مفتوحا ومبررا حيث تستحيل فيه اللغة الى حلم او خطاب يستبطن العشق في تجلياته العجائبية...
إن المناخ الشعري الذي تبرعمت في ظلاله أشعار هادية آمنة يتسم في مجمله بالتفاعل الخلاق مع الجانب الحداثوي وهذا ما أعطى قصائدها تحديثا شديد الألفة،من خلال لغتها التخييلية المشكلة تشكيلا عضويا ساعد على خلق معادل فني تلعب الذات دورا بارزا في أساسيات نموه وبالتالي تحوله الى وحدة تكوينية تجمع بين تشكيلاتها المتناهية الدقة كل ما هو متنافر ومتضاد حيث تؤدي هذه الأضداد وظيفتها في إنجاز الهيكلية الهندسية للصورة الشعرية المتوافقة مع إيقاع حركة الواقع والمتعارضة معه.عندما يحاول ذلك الواقع أن يفرض منطقا عقلانيا يتعارض والفضاء التخييلي للغة الشعر.إن هذا البناء اللغوي، سوى في خاماته الأولية او المنتقاة لا ينسحب على القصيدة الحديثة فحسب،بل يتعداه الى التجارب التي اتخذت من قصيدة النثر وعاء تصب فيه ما يترشح من عملية التغطية التي تتعرض لها ذات الشاعر/الشاعرة..
ومن هنا فإن شعرية قصائد الشاعرة التونسية هادية أمنة التي انبجست من ضلوع مدينة قفصة-مهد المناضلين العتاة-،تمثل خطوة أخرى باتجاه قراءة النص الآخر الذي بدأ يشكل خطواته في مسار القصيدة العربية وهي تتململ اليوم بكل اختزاناتها وسحرها وقلقها للخروج الى برية الاتساع حيث الشكل يمسك لذة الحلم،وحيث الحلم يفور في مسارب المعنى..
والشاعرة-هادية-تقيم طقوسها على تفاصيل الاشياء..حالمة او كاشفة او قائمة وسط حرائقها وحرائق الآخرين، تفتّش عن أشياء اخرى بلون الجمر او لون النساء او لون الحرية..
وهذه القصائد-التي قاربت معظمها-لا تخرج عن محاولات الشاعرة هادية آمنة في التماس بنية نصها الحداثي المجبول على كشوفات الرؤيا الايقاع في تركيبة تزاوج بين شكل (تقطيع) وسردية حلمية تتكرر دائما كما وجدنا ذلك في قصيدتها (راقصة القمر) التي سبق وان عرضنا لها..ان قصيدة -العشق- تظل عصية...
والشاعرة تظل قاسية مأخوذة ومقموعة بالنص تلم جسدها واحزانها وتسافر غاوية وسط ايقاعات يتداعى فيها كل شيء..تخرج من ذاكرة تكتب النص كتاريخ...انها ذاكرة الآخر الذي مازال يقيم وسط الأشياء حادا وطاغيا...يكتب للآتين في موكب الآتي الجليل..
ولعل هذه جدوى أخرى تضاف لقصائد هادية آمنة التي تلتمس بصدق وجدية الخروج الى الجمال والحلم والاتساع والحرية..
على سبيل الخاتمة
إن الشاعرة المتميزة هادية أمنة،وهي تسابق الزمن في ركض محموم خلف الكلمة الشعرية المشبعة بالسحر والجلال،انما نراها تحاول من خلال تشكيل شعري يصل في كثير من تكويناته الى درجة من الشفافية والعفوية،أن تحقق القدرة على التوفيق بين أداته «اللغة داخل الشعر» وبين ترويض تلك الأصوات الضاجة في داخله الذي تمارس استمرارية طقس الاحتراق.
ومن هنا فهي تتموقع بين نزاعين يتطاحن فيهما الوعي واللاوعي،اليقظة والغياب،واختيارات لا حد لها،لعل من أشقها ان تختار المواصلة او النكوص،إلا ان «الدهشة الشعرية» تتغلب في الأخير على حوار المنطق العقلاني لتمسك بدفة القارب الشعري في محاولة للعبور نحو الضفاف المبتغاة..
وهذا ما سيمهّد السبيل الى أرض «معطاء» تليق ببذار القصيد القادم...
محمد المحسن


أما آن للوجع العتيق..أن يتفادى دروبي..؟! بقلم الناقد والكاتب الصحفي محمد المحسن

 أما آن للوجع العتيق..أن يتفادى دروبي..؟!

(1)
.. بين جرحَين كنّا معا في التشظي..كنّا
وإذ نال الحزن من أضلعي،فلبثت
وأنتِ تضوّع عطرك بين الثنايا،،وظللت وحيدا
ومنهمرا في الفصول.
في ليل مدينتي حيث لا شيء يشبهني ،
غير نجمة أراها تضيئ وتخبو
أراني أرنو إليها،علّها تفتح لي دربا إليكِ
فما زلت أخشى عليكِ من شائك الضوء..
ومازلت..أحيل أيّامي إلى نرجس اعتراه الأفول..
(2)
مرّ عطر مسرّاتنا..ومرير هو الوقت
لكنّ طيفك أدخلني في ضياء الثمار
وقد فتح الوجد أبوابه للرؤى
ولاح نجم يضيئ على عاتق الليل
فظللت أنتظر.ثقيل هو الإنتظار.
طائر الصحو لا يحتفي بضيائي
يطارد ضوئي..يوغل في المدى..
ثمّ يحطّ على وجع بأصل الرّو ح
فتلمّ الحدائق أورادها..ويذبل ورد النهار..
(3)
مـــــــذ تخيّلتكِ..وأنت تعبرين بساط الخزامى..
تلجين فلوات الرّوح في مُترف الثوب..
وتمدّين أصابعك في خيوط الحرير المذهّب..
لكِ هذا الحمام-الجنوبيّ-
علّمته الهديلَ..في زمن للبكاء
وعلّمتكِ كيف يرشح من الحلم عشق وماء..
صرخت بملء الرّوح علّ يجيء طيفُك
فأنا أولم الليل نذرا..وألبس أبهى ثيابي
ولكنّي وجدتكِ في برزخ الوجع..
بين البكاء..وبين الغناء
ومن معجزات الزمان.. يتجانس فيكِ الثرى والفضاء..
(4)
آن للوجع العتيق أن يتفادى دروبي
ويعود بي الزّمن إلى حقل صباي
يوم كان اليمام ينام بحضني.. وبقربي تدنو القطوف
وأراك كما كنت أرسمكِ على دفتري المدرسي..
يتهودج طيفُكِ في ثوب شفوف..
وأراكِ ثانية وقد لا مس عطرُك نرجسَ الرّوح..
ثم..ألتقيكِ وقد نضج النهد قبل الأوان..
(5)
..كانت لي أمنية..
أن أراكِ كما كنتُ..قبل البكاء
أن لا أرى،في شهقة الرّيح،عاصفتي
لا أرى في دفتر عمري
ما كنت خبّأته من شجن ومواجع..
..سلاما على ما تبقّى
..سلاما -على تعتعة الخمر-
..سلاما على أمّي التي أحنو على طيفها ما استطعت
..سلاما على كلّ الرّمال التي احتضنت حيرتي
..سلاما على غيمة ترتحل
عبر ثنايا المدى..
ها هنا..أرتّق الموج،وقد أبحرت روحي
دون أشرعة
ترى..هل أقول للزبد إذا ساح إليّ :
دَعني “أقرأ روح العواصف”
فأنتَ لست في حاجة للبكاء
دَعيني أطرّز عمري وشاحا للتي سوف تأتي
عل ّ يجيء الموج بما وعدته الرؤى
فليس سوى غامضات البحار، تقرأ الغيم
وتنبئ بما خبّأته المقادير
وفاض منـــــه الإنــــــــاء..
محمد المحسن
L’image contient peut-être : 1 personne, gros plan