الجمعة، 29 يناير 2021

شهبٌ حمراء بقلم نجاة نوار

 تهالك على الأرض الصّخرية. جثا وسط سكون المكان يبتهل دمعا عصيا كادت تفيض به روحه. وصل بينما يستعدّ خطّ الأفق الرّحب ليخبّأ إسورة الكون فتمضي الهوينى مخلفة شُهبا ناريّة دامية.

شهبٌ حمراء أجّجت تزاحم الخواطر برأس "نصر" فطرقت قلبه المعنّى بلا هوادة .. أقدام ثقيلة تدكّ بوقعها بلاط الفناء الصغير الذي يفصل غرفته عن غرفة والدته. تتناهى اليه أصوات بنادق تجهز وهمهمات بلكنة يمقُتها.
قفز من فراشه كالملدوغ. بحث تحت الحشيّة عن مسدّسه تأكّد من أن جوفه محشوّ بتلك الجسيمات اللّامعة المُدبّبة. . تحرّى موقع قدميه جيّدا وسط الظلمة كي لا يحدث أدنى حسيس. تفاصيل غرفته راسخة بذاكرته. قصد الرّكن الذي أعدّه لمثل هذه اللّحظات. تحسّس "زنّاره "متفقّدا خنجر والده. مرّت اللّحظات كسهم ناريّ قبل أن تدفع الأرجل الثّقيلة باب الغرفة المتهالك فيتهاوى ..
"المكان محاصر! سلّم نفسك!"
مزّق سيل الطلقات النارية فضاء الغرفة الصغيرة .ثبَتَ قلب الرجل. ثبّت قدميه على السّلّم الحجريّ الصّغير. ومن مكمنه أمطر "نصر" برصاصه رؤوسا حليقة لوجوه مكفهرّة تماما كذلك المساء الدامي. تطايرت الخوذات الخضراء . ارتطمت بأرضية الغرفة محدثة فرقعات متتالية. زكمت أنفه روائح البارود المنبعث من فوهات بنادقهم الكبيرة. تكوّمت بحنجرته كرات غضب مستعر. مسح بطرف شاله المنمنم بالأبيض والأسود حرقة خلّفها الغيظ والدخان بعينيه. هزّته مشاعر فخر مشوبة بمقت مرير . علا الصّياح والسّباب وتتالت شتائم الجنود. تزايد عدد قتلاهم ولم يتمكنوا من تحديد موضع الرجل بعد .مزّق صوت آمر جدار سمعه ثانية "سلّم سلاحك! وألا.. ! " يواصل بتشفٍّ اطلاق رصاصه تجاه الصوت .
صمت صغير عقب ذلك القول قبل أن تميّز مداركه صوت امّه تردّد الشّهادة ..قسمات صوتها فجّرت كرات القهر بقلبه. ..بحلقه لعلع صراخّ و أزّ رصاصه حقدا. زمن عصيب مرّ وقت يكتشف المقاوم نفاذ ذخيرته. يستلّ خنجره لكن قبضة قاسية تصيب ذراعه وتُلقي بآخر أمله على بعد أمتار. اسرع لالتقاطه .أوقعته ضربات قوية من أعقاب البنادق أرضا. فقد الوعي ..لم يفقد الأمل...
يمدّ الآن أنامل متوترة تخلّل ما تبقى من شعر غزته ثلوج كثيفة. يرتعش متذكرا عمره الذي انسرب ركضا وراء حلم كلما اوشك أن يلامسه يتلاشى كالسّراب. يتحيّن التفاتة لا إراديّة متوجّسة. لا احد سِواهُ بالمكان ..اختفى اللّون النّاري عن ثوب السّماء وغشاها لون بنفسجي خانق.
لوى شفتيه اشمئزازا وهو يمرّ بالذكرى ..يوم مرّ بين كومة الأشلاء التي غطّت أرضية غرفته . يداه مقيدتان خلف ظهره سار بين الرجلين. ركل بعض الجثث. وتفل مراره. تحين منه التفاتة الى باب حجرة أمه الموارب فيلمح جسمها المسجّى وقد غدا غطاء رأسها الأبيض راية حمراء قانية. فاضت روحها بينما رفرفت حمامة خضراء تنشد مكانا أكثر أمنا وهناء.
..رحلتِ أماه ورحلتُ ألاحق حلم التّحرير في طرقات شائكة . بين المعتقلات والمنافي..كنت أحاول تذكر حدود موطني ..حاولت رسم خريطته بأدمعي فكان وجهك ما يطالعني بنهاية كل رسم . وبسمتك منتصرة ابدا .
شق السكونَ صوتُ زفرته العميقة. تتهاوى على ضلوعه فجأة كومة المبادئ التي بذل في سبيلها عقدين من عمره بين القضبان .
اهتزّ جسمه الهزيل اثر نوبة ربو حادّة ..ابتلع مرارة خلّفتها تلك الذكرى. سهمت نظراته يستذكر العنوان العريض بصحيفة محليّة لا تزال في يده. "حريق هائل بقاعدة "تسيريفين" بالسجن العسكري .. واختناق اغلب المساجين دون تفاصيل اضافية . " تحسّس كتفه الأيسر .. .طراوة الجلد المسلوخ ولزوجة دم وقيح ذكرته بنجاته . انتظر طويلا تلك الفرصة فالموت خلف القضبان لا يليق بالنسور فالنسور وإن شاخت تصطفي مكانا بأعالي الجبل تنتف ريشها لتتجدّد ..أو تموت بعيدا عن شفقة الجميع . عشّش بالقلب هدفه الأوحد وتوضّحت رؤيته أكثر .." هذه المدينه العاهرة تحاول جعلي مجرد جرذ أفرّ من مجاريها العطنة لأقع في مستنقعاتها الآسنة .
غضب عنيف تنوء به انفاسه يكاد يفجّر وتينه . حشرجة حادّة تندّ عنه .يتلمّس بحنوّ رخام الشاهد يضع وردته اليتيمة على صدر الاسفلت البارد . يهمهم بعبارات غير مفهومة ويمضى متصفحا ملامح ذاك الطّيف الثابت أبدا بأحلام يقظته. أقسم ...بالثأر ..وهو يغادر المقبرة نحو جدار الأسلاك الشائكة ..
نجاة نوار
Aucune description de photo disponible.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق