-خالتي زعرة-إمرأة..بألف رجل
(مرثية لشمعة المقاومة..في جبل مغيلة)
الدموع..لا تمسح تراب الأسى..
الكون الحزين يرثيك.فرحة هي النوارس بمغادرتك عالم البشر إلى الماوراء حيث نهر الأبدية ودموع بني البشر أجمعين..
أنت الآن في رحاب الله بمنأى عن عالم الغبار والقتلة وشذّاذ الآفاق،والتردّي إلى مسوخية ما قبل الحيوان.
هل كان الحمام التونسي يعبّر بهديله عن رغبته في اختطافك إلى الفضاءات النقية لتكوني واحدة من –قبيلته-،بعيدا عن الأرض الموبوءة بالإنسان الذي تحوّل إلى وحش ينتشي بنهش الجثث،قاتل للحمام والبشر،معيدا سيرة أجداده القدامى منذ قابيل وهابيل حتى الآن؟ نائمة هناك على التخوم الأبدية،وروحك تعلو في الضياء الأثيري،طائرا أو سمكة أو سحابة أو لحنا في موسيقى.لقد غادرت المهزلة الكونية للعبور البشري فوق سطح الأرض. في الزمان الحُلمي،كما في رؤيا سريالية،سأحملك على محفة من الريحان،بعد تطهيرك بمياه الوديان،من مصبات الأنهار والمنحدرات الصخرية بإتجاه البحر..سيسألني العابرون :إلى أين؟ في السماء نجمة أهتدي بها.أعرفها.تشير دوما إلى جبل الشعانبي.أنت أشرت إليها ذات غسق وهي الآن فوق-سفح الجبل-تضيئه بلمعانها المميز عن بقية الكواكب.وهي تشير كذلك إلى المرقد والمغيب فوق أفق البحر في أواخر المساءات.أحملك نحوها لتغطيك وتحميك بنورها الأسطوري لتدخل في ذرّاتها وخلودها الضوئي.. قبل هذا الإحتفال الأخير سأطوف بك حول ريفك البهي التي أحببتيه،معقل الرجال،حيث يرثيك أهلك و-مريدوك- بدمع حارق يحزّ شغاف القلب.. يسألني العابرون أو أسأل نفسي:هل محاولة إستعادة نبض الحياة الماضية يخفّف من وطأة صدمة الموت؟..لا أعرف شيئا.. حين يأتي المساء الرّباني سننلتئم تحت خيمة -تونسية-.نشعل النيران في فجوات الصخور اتقاء للرّيح،ونبدأ الإحتفال في لحظة بزوغ القمر فوق الهضاب -القرينية-.. أما أنتم -ياسادتي الكرماء-:إذا رأيتم-أم الشهيدين (خالتي زعرة)-نائمة فوق سرير الغمام فلا توقظوها،إسألوا الصاعقة التي شقّت الصخرة إلى نصفين لا يلتحمان. إذا رأيتم-أم الشهيدين-نائمة في الصمت الأبدي فلا تعكرّوا سكينتها بالكلمات. اسكبوا دمعة سخيّة على جبينها الوضّاء،دمعة في لون اللؤلؤ،واكتموا الصرخة المدوية كالرعد في كهوف الرّوح..
وداعا..يا أم الشهيدين
وداعا..-خالتي-زعرة
محمد المحسن


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق