بقايا امرأة /قصة قصيرة
ماهذا الحر وماأطول هذا الطابور ولكنها كانت مشاكسة وتطلب الإقتراب أكثر حتى تقتني الهدية المجانية لأمها ..
ما أكثركم هنا وكلكم رجال ، لم تقفون فى الطابور، لأجل هدايا مجانية تخدعون بها حبيباتكم ، أنتم بخلاء ولا شك أنكم بخلاء فى المشاعر ، لاأزال بعيدة وأخشى أن تنفذ الهدايا المجانية ..صاح أحدهم ، أسكتوها الآن وإلا جعلتنى أفقد صوابى لصراخها ، هاهى تقترب ويفسح لها المجال : سيدى أريد تلك العلبة البيضاء ولاتخبرنى ماتحويه ، أريد أن أحمل المفاجأة بطيات قلبى ،
انصرف الجميع وبقيت منى تحتضن بين ذراعيها العلبة البيضاء ، خطت على البياض إلى الراحلة التى تأبى الرحيل وترافقنى وتجعلنى أقف بالطابور لأجلها ، رحمك الله ووضعتها على القبر ..
كان يرش ثرى قبر ابنته ببقايا الماء بالقارورة و ذلك المشهد اللافت يشده ، يناديها : ياآنسة ، لقد نسيت علبتك على القبر ، قرأ تلك الجملة وحمل العلبة البيضاء ووضعها بيدها ، هل تحتفلين بعيد الأم فى المقابر
لقد تعودت المجيء بمثل هذا اليوم لخامس سنة ، وأراك تضعين الهدية ثم ترحلين وآخذ الهدايا وأتصدق بها على امرأة مسنة ، أنا هنا لأجل جلب الهدية لها ..
ماتت أمى بظروف غامضة وكنت غائبة عن البيت ، ملابسنا البالية كانت مثل الراية الجميلة التى تعلقها أمى فى الشرفة حتى توهم الأخرين أن البيت يعيش به أفراد كثر ولكن الحقيقة كانت وحيدة وكنت أنا متبناة من قبلها ، كانت تهوى الصراخ حتى يتجنبها الأخرون ، كانت تراه قوة تحتاجها ، جارتنا كانت كارهة لوجودها فى البيت وكانت تستفزها ببقايا امرأة ، وتظهر أطفالها فى صور الألبوم القديم بينهما هى وحيدة الأن ، كما لو أنها لم تنجب ، والدتى كانت كتومة ودفعتنى دفعا لأكمل تربصى فى صناعة الدمى ، كان العرض الليلى تديره وكنت أضحك ، آخر عنوان لها قيل هذا القبر ..
امتلأت عيناى بجثث السيدات فى دار المسنين ، أجساد تغيب الحركة عنها وكأنهم مغيبات عن قصد ، كنت أبحث عمن تأخذ منى العلبة البيضاء وكان المهرج الهرم يحاول عبثا خلق جو مناسب ، نشر الغسيل وألوان الملابس البالية يتكرر أمامى الأن ، هرعت بإتجاه العجوز ، كانت نحيفة قليلا وطويلة القامة وتقف بعنفوان وشموخ ، بدت لى كالشبح ولكنها كانت أمى التى هجرت عنوة ، بقايا امرأة تقيم بدار غير دارها ويوضع لها قبر بإسمها وهى على قيد الحياة ..
تموت المرأة عندما تفتقد لمن يشاركها أيامها وتهجر بعيدا عندما تقترب من عنوان بقايا امرأة ، ولكن هذا قرار غبى ، بقى الرجل مغيبا وفقد لمعة عينيه عندما جفتا من الدموع ، بكى ابنته وزار قبرها مرارا واستسلم لألوان الحزن المدمر ..بقايا رجل يزور دار المسنات وينتظر حضور الهدية المجانية حتى يظهر لهن طيبة زائفة ، ويحتفل بعيد الأم ، لم يحنو على واحدة منهن ، أخذت منه هديتى وطلبت منها فتحها ولكن كانت تركز نظرها على الحروف كما لوكانت تمتحن صدق مشاعرى اتجاهها ، بكت وابتسمت وفتحت اللعبة ، وضعت الشريط الأبيض على جديلة جعلتها بشعرى وحدثتنى عن بقايا امرأة ..
كانت الجارة غير مصدقة لعودتنا للبيت تلك الليلة ، وخيرتها بين بقايا صور بالألبوم وذكريات تنهش قلبها ووجودى إلى جانب أمى وجديلتى ذات الشريط الأبيض ، لم تكن أمى بقايا امرأة بل هى كل الحياة ..
تركية لوصيف /الجزائر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق