الشيفرة الكونية
****على دروب الجمال ****
(الحلقة الثالثة) الاستاطيقا
تحية الصباح الجميل والعطر , ,
د - الفن كوسيلة إبداع و تفكر :
لقد تعرفنا على عدة جوانب و أبعاد للفن ,وقد اتضح لنا من خلال البحث ,أن الفن أيضا يحتوي على أبعاد أخرى و هي كونه وسيلة تفكير أيضاً , دعونا نلقي نظرة على تعريف معنى الإبداع و التفكير لغويا و فلسفيا. وحسب المعجم
الإبداع او الابتكار : إيجاد شيء غير مسبوق سواء بمادة أو زمن.
قوة الإبداع : قوة الابتكار و الخلق.
و هي تستخدم بكافة التعريفات في اللغة مثل أبدع و مبدع و بديع...إلخ.
فالإبداع هو عملية إنتاج شيء جديد لا مثيل له في الواقع سابقا , و هذا التعريف لا يختلف أو يتعارض مع المفهوم الفلسفي للإبداع.
ففي الفلسفة كذلك ارتبط مفهوم الإبداع بأي عمل أو مهنة ذات إتقان , أو أي عمل منتج يحتوي على انتاج أو ابتكار جديد , و هو تماما كما في اللغة غير مشروط بالفن .
فأي عمل ابتكاري هو في النهاية عمل إبداعي , سواء كان ماديا استعماليا أو ذو طابع ثقافي روحي اجتماعي كالفنون مثلا والفكر والفلسفة , أما علاقة الإبداع بالفنون , فقد تكون من اكثر العلاقات اقترابا , و من أكثر الممارسات التي يقوم بها الفنان , حيث كلما جدد الفنان في أسلوبه و تقنياته كلما كان أكثر إبداعاً و ابتكاراً , و العمل الفني عادة رغم قوانينه إلا أنه عمل مفتوح لا نهاية له , حيث يتوقف الفنان عند مستوى معين من العمل , أما النهاية الأكيدة فهي غير واردة في العمل الفني , و لهذا يبقى الإبداع مفتوحا على مصراعيه امام الفنان , إن فك و تركيب الأشياء يشكل مدخلا هاما للإبداع و التجربة و دراستها و تخيلها.
فكثيراً ما أبدع الفنانين اقتراحات لحلول اجتماعية و سياسية , بل و قدموا نماذج تجريبية في أعمالهم المسرحية , مثل شكسبير و محمد الماغوط و غيرهم من مبدعي المسرح و السينما و الدراما و غيرها من أشكال الفنون .
فالفن دوماً يفكك الواقع و يعيد تشكيله من جديد و بهذا يصبح الفن دائماً ذو طابع تجديد و إبداع و خلق , و من خلال الفن يمكننا دوما أن نكتشف و نجرب ابتكارات جديدة تساهم في تطور التجربة التطبيقية لاحقاً و في صناعة الأفكار الاجتماعية و السياسية و تطبيقها و ممارستها أولاً من خلال الفن والفكر و من ثم الانتقال إلى الواقع العلمي التطبيقي.
إن كافة مجالات النشاط الإنساني تحمل طابعاً إبداعياً بنسبة معينة , و لكن مع الزمن و التكرار تصبح الكثير من النشاطات عبارة عن تقليد مجرد لا جديد به , و بذلك يصبح الإبداع محدود للغاية , لدرجة أنه يصل إلى العدم في بعض الحرف التي يجب إتقانها كما هي عليه منذ آلاف السنين , أما في الفنون فإن المجال أكثر اتساعا و ثراء للإبداع , بل إن الإبداع قد أصبح من الشروط التي تحدد قيمة العمل الفني , سواء كان لغويا أو عملاً أدائياً أو فكرياً او فلسفياً.
لقد سبق و أشرنا إلى ارتباط الفن بالجمال , و هنا أيضا أصبح الفن مرتبط بالإبداع كذلك كقيمة ضرورية مشروطة للعمل الفني , و بذلك أصبح الإبداع شيء مقرون بالفن أيضاً , و أول ما يبحث عنه النقاد المتذوقين للعمل الفني هو التجديد , و بعد ذلك ينتقل إلى القيم الجمالية و الأصالة و غيرها من المفاهيم الخاصة بالنقد الفني .
بعد ذلك أصبح الفن وسيلة إبداعية دائمة و مشروطة بالإبداع و التجديد و انتاج شيء كامل تماماً في حالة ابتكار آلة ما مثلا , فهناك يكون الابتكار كاملاً لشيء جديد في الواقع للقيام بمهمة معينة , أما في حالة التجديد الإبداعي فتكون هناك ما يسمى التطوير , و هو ابتكار جديد لتحسين أداء آلة معينة أو اداة عمل أو طريقة تقنية ما تسهل و تساعد في تحسين الإنتاج او الاداء , سواء ذهني مادي و تنفيذي , و مهما كانت الابتكارات الصغيرة الجزئية بسيطة إلا انها في النهاية بمجموعها ستؤدي إلى شيء نوعي مع تراكمه و اتساعه , و هنا يبرز السؤال التالي :
هل بمقدور أي إنسان أن يكون مبدعاً ؟
و هنا نجيب نحن بكل ثقة ,,, نعم بإمكان كل فرد من أفراد المجتمع أن يكون مبدعاً في مجاله و اختصاصه , و كل جديد يبتكره أي إنسان إنما هو عمل إبداعي , و الإبداع لا يمكن اقتصاره على فئة أو مهنة أو مجال معين , بل للإبداع يشمل أي مجال قد يخطر على بالنا , و بإمكان كل إنسان مجتهد أن ينتج ما هو جديد , إما كاملاً أو جزئياً تطورياً , و هناك آلاف الإبداعات التي يطورها المنتجين المباشرين يومياً حول العالم , و لا أحد يرصد هذه الإبداعات الفردية التي ينتجها أفراد , قد لا يخطرون على بالنا أنهم من عداد المبدعين .
و هنا تجدر الإشارة إلى ان الإبداع على علاقة وثيقة بالتفكير , و بدون التفكير و التصورات المجردة , لا يمكننا إنتاج أي عمل إبداعي جديد , فالممارسة هي أساس الإبداع , و التفكير هو أحد أشكال الممارسة الذهنية العقلية , و بدونه لا يمكننا الحصول على أي شيء
نكتفي بهذا القدر في حلقة اليوم فحلقة الامس كانت دسمة ومكثفة.
رماز الاعرج

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق