**** على دروب الجمال ****الشيفرة الكونية ..
رماز الاعرج ,,
(الحلقة الرابعة) الاستاطيقا
تحية الصباح الجميل والعطر ,
بعد ان تطرق الكثيرين الى اراء الفلاسفة المتنوع بموضوع الجمال والفن , نرى ان لا داعي لإعادة ما ذكر , ونكرره حول رؤيتهم الفلسفية , فيهي معروفة وتم التطرق لها بما يكفي في السياق , بقي علينا شيء هام قبل الدخول في تفاصيل الحركة الجمالية وتحليل الجمال والفن التفصيلي دعنا معا نلقي نظرة سريعة على التاريخ الجمالي والفني الاسلامي , وكيف تأسس هذا الاتجاه , حتى اصبح اتجاه ونمط فني معرف ومتوارث وذو اصول قديمة عميقة ضاربة في القدم , ونرى التشابه ايضا بين الفن الاسلامي والفرعوني والبيزنطي بشكل واضح , بل وفي عمق الصورة والزخرفة احيانا , ما هو هذا السر , وهل من شيء معتقدي وراء هذا النمط و الاتجاه من الفنون المعروفة لنا .
كثر هم الفلاسفة المفكرين الفنانين طبعا عبر التاريخ الاسلامي ولا يمكن عدهم فهذه حضارة عمرها يزيد عن 14 قرن ونصف تقريبا , وقد شملت في طياتها الكثير من الثقافات المتنوعة , من الشرق والغرب والوسط , وهذا ما زادها ثراء وغنى وتنوع , وتحتاج الى ابحاث خاصة كبيرة وشمولية في هذا المجال , على ان تكون محايدة لتصبح دراستها اكثر موضوعية وعلمية .
واخترنا الفارابي لأهميته في وضع الاساس الفكري والفلسفي لهذا النمط من الفنون التي تبلور لاحقا ليصبح اتجاه فني حضاري اسمرى حتى يومنا هذا , محافظا على اصالته العميقة , كيف وما هو السبب الذي ساهم في هذا الحفظ والاستمرار لهذا الفن العريق الجميل المجرد ,,
الفارابي
اشتهر بهذا اللقب نسبة إلى فاراب المدينة التي ولد فيها , وقد اخترناه كونه من الفلاسفة المسلمين القدامى , واسمه محمد بن محمد بن اوزلغ بن طرخان الفارابي واشتهر بلقب (أبو محمد الفارابي) ولد عام ( 260 هجري) في كازاخستان حالياً , واخترناه هنا في مساق الفلاسفة لكي يمثل الفكر الإسلامي في فلسفة الجماليات , وذلك لقدمه وأهميته وأهمية منتجاته الفكرية وتنوعها , وقد أنتج مؤلفات عدة في الموسيقى واهتم بالجمال كجزء من الفلسفة والوجود وتأثر بالفلسفة اليونانية ودرس أفلاطون وأرسطو بل هو من المؤسسين في الاسلام لعالم الصورة و الزخرفة الاسلامية , بحيث خاض صراع فكري وفلسفي كان دائرا في عصره حول مفهوم الصورة ذاته و امكانية استعمالها في المعتقد الديني ومن هو الاقدس و الاسبق على الاخر الكلمة ام الصورة , هذا كان جوهر الصراع الفلسفي الحقيقي لهذه القضية ولم تكون قضية شكلية سطحية على الصورة ذاتها كما يصورها البعض في مجال الفن , بل قضية تصب في عمق الفلسفة والفكر الانساني من اساسياته , وبحسب الاديان السماوية الكون خلق بالكلمة اي كلمة الله , وبذلك الكلمة هي الاسبق من الصورة وتسبقها بل هي صانعة الصورة , و الاكثر جوهرية وقداسة , وهذا هو جوهر هذا الجدل الفلسفي الذي كان محتدما في ذلك العصر الذي ولد فيه الفارابي .
درس الفارابي الفلسفة والمنطق في بغداد على يد معلمه ( أبي بشر متى بن يونس ) وهو مسيحي عراقي وكان من أشهر مترجمين عصره في الفلسفة اليونانية القديمة , ترجمها وبحث فيها ,, أتاح هذا للفارابي للإطلاع على أعلام الفلسفة اليونانية من مترجميها مباشرة , مما جعله يتمكن من الإطلاع الواسع على هذه الأفكار الجديدة التي دخلت في نطاق اللغة والثقافة العربية في حينها , ودرس اللسانيات والأدب واللغة والشعر , ودرس الموسيقى والطب في بغداد .
كانت بغداد عاصمة ثقافية وعلمية وسياسية وشملت في عصرها الكثير من العلوم والمعارف التي اندثر أغلبيتها بسبب الحروب , وله الكثير من المؤلفات , ومن الدوافع الهامة لاختيارنا له , أنه هو وفلسفته الصوفية من أسس لتحريم التصوير في بعض الاتجاهات الإسلامية , كتصوير الإنسان أو الحيوانات تصويراً كاملاً ومطابقاً للواقع كما في التعبير البيزنطي ايضا .
لقد أثرت أفكاره على مفهوم الجمال الإسلامي بشكل ملفت وخاصة فيما يتعلق بالمرئيات , وسنرى مدى تأثير رؤيته على الجماليات الإسلامية لاحقاً في عنوان اَخر.
لقد درس الفارابي أفلاطون وأرسطو وتأثر بكليهما وأخذ من كلا الفلسفتين ويرى بعض الباحثين أنه اعتبرهما مكملان لبعضهما البعض ولا يرى الكثير من التعارض بينهما , وتأثره بنزعة أفلاطون الصوفية واضح ,, ونزعته الصوفية خير دليل على هذا , وتأثره بأرسطو أيضاً بشكل عام وفي المنطق على وجه الخصوص , فنرى فلسفته تشبه المزيج من المثالية الأفلاطونية والواقعية المنطقية لأرسطو .
ولكن تأثر الفارابي بأفلاطون كان أكثر وضوحاً , فميوله الصوفية التي وصلت إلى اعتبار التصوير إهانة للمقدسات , يتلاقى تماماً مع رؤية أفلاطون حول عدم صلاحية الحواس لنقل الحقيقة ,, وغير قادرة على ذلك , مما أعطى مبرراً لعدم قدرة الصورة التمثيلية على نقل الحقائق المقدسة بل وتشوهها وقد تسيء إليها وتدنسها , لكونها عاجزة عن نقل الحقيقة الفعلية للأشياء الحقيقية كما هي قائمة في صورتها الثابتة في عالم المثل الأفلاطوني .
عاش الفارابي متقشفاً زاهداً وكان يتقاضى أربعة دراهم في اليوم من سيف الدولة , بالكاد تكفي أوده ولكنه كان يرفض أخذ أكثر من ذلك , وحسب الباحثين في حياته يؤكدون غالبيتهم على أنه لو اراد الثراء لحققه بسهولة , (ويروا عنه أنه كان يفضل العزلة دوماً ويقضي معظم أوقاته علي ضفاف الأنهر والسواقي طوال مدة إقامته في دمشق , ويذكر عنه ابن خلكان في (وفيات الأعيان) يقضي معظم أوقاته في البساتين وعلى ضفاف الأنهار فلا يكون إلا عند مشتبك رياض , حيث يؤلف بحوثه ويقصد إليه تلاميذه ومساعدوه) نهاية النص المقتبس .
ورغم التناقض الواضح بين أفلاطون وتلميذه أرسطو , يرى الفارابي أن فلسفة أفلاطون وأرسطو هي عينها ولا يرى فارق كبير بينها , كما ويرى أن أي باحث في الفلسفة عليه أن يحذو حذوهما إذ أراد الوصول إلى الحقيقة , من خلال تقديم منظومة فكرية مطابقة لما وضعاه في فلسفتهما , وبناء على هذه الرؤية قام بوضع كتابه الشهير (الجمع بين رأي الحكيمين أفلاطون وأرسطو ) فعند أفلاطون علة الوجود هو (المثل ) أي القوة الكامنة وراء الطبيعة , في صورتها الثابتة حيث المنطق الصوري الأفلاطوني الثابت للأشياء , بينما أرسطو فلديه العلل الأربعة للوجود , وهي 1 ( العلة الصورية , وهي ما يوجد الشيء بالفعل ) 2 (العلة الغائية , وهي ما يوجد الشيء لأجله) 3 (العلة الفاعلية , وهي ما يوجد الشيء بسببه ) 4 ( العلة المادية , وهي ما يوّجد الشيء بالقوة) , يحاول الفارابي في كتابه التوفيق بين الرؤيتين دامجا العلل الأربعة بعالم المثل ومعتبراً إياه عالم واحد يجمع بين المثل والعلل الأربعة في سياق فلسفة واحدة , وهذه تحسب , سواء اتفقنا معه أو اختلفنا .
لقد دعمت رؤيته الفلسفية الجدال الذي كان دائراً في عصره حول الصورة والكلمة ومن الأكثر دقة في التعبير , ومن هي الأفضل للاستعمال المقدس والديني , وقد تأثر بما طرحه الأيقونتين المسيحيين الذين اعتبروا الكتابة تغني عن الصورة , وقد أكد الكاهن الأيقوني (تيودور أبو قرة ) وكان يكتب باللغة العربية , بأن الكلمات مثل الاَيقونات وإن الصور هي (كتابة الأميّن) وكان الفارابي مولعاً بالكتابة ومحباً لها فمال كثيراً إلى مثل هذه الآراء جامعاً بينها وبين ما كتبه اليونان القدامى مخضعاً إياها للثقافة الإسلامية الدينية محاولاً إعطاء طابعاً علمياً وفلسفياً للرؤية الإسلامية الدينية .
وعلى عكس المدرسة الإسكندرية في الفلسفة اليونانية وهي اَخر المدارس الإغريقية التي أدخلت الأساطير والشعوذة إلى الفلسفة , سعى جاهداً إلى علمنة الدين الإسلامي , وركز على المنطق من أجل علمنة الدين وفلسفته منطقياً , محاولاً الاعتماد على العقل والمنطق بقدر ما أتاحت له رؤية أفلاطون الفلسفية ذلك , حيث بقي في نطاق مثل أفلاطون في النهاية رغم نزعته العقلية المنطقية , وهذا أصبح لاحقاً من ميزات فلسفة الفارابي في منطقه ورؤيته للفن والجمال .
لقد ساهم الفارابي في تأويل منع التصوير والتمثيل المحاكي لصورة الإنسان أو الحيوان في المعابد والأماكن الدينية الإسلامية , ولهذا السبب لم يوضع في قبة الصخرة من جماليات سوى الزخارف الكتابية و التجريدات النباتية , في حين خلت تقريباً من صور الحيوانات والمحاكاة الإنسانية , لقد أسس ذلك العصر بطبيعته السياسية والفلسفية والدينية إلى عصر جديد في الجماليات الإسلامية , ومنذ ذلك الحين نشأ تيارين في الجماليات الإسلامية , أحدها وصل إلى التشدد لدرجة تحريم ومنع التصوير التمثيلي للإنسان أو الحيوان , في جميع الأحوال والأماكن , بينما ظهرت اتجاهات لاحقة لا ترى في رسم وتجسيد الصورة ما يسيء ما دامت متقنة وذات جودة عالية .
إن مسألة الجماليات الإسلامية شائكة ومعقدة ولا يمكن أن تشملها اَلاف الصفحات , لهذا نكتفي بهذا القدر هنا على أن نعود لها في مكان اَخر , حول الجماليات والدين والحضارة الإنسانية .
رماز الاعرج

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق