الاثنين، 19 أبريل 2021

قصة قصيرة : ( الفتاة التي حرمت من إكمال دراستها)وهيبة بتشيم ( الجزائر)/مؤسسة الوجدان الثقافية


 قصة قصيرة : ( الفتاة التي حرمت من إكمال دراستها)

في زيارة لي للريف الذي يقيم فيه أهل زوجي التقيت ببشرى ذات القامة الطويلة و الجسم الرشيق و البشرة السمراء و الشعر الأشقر و العينان الزرقاوان ، لم تكمل الثالث عشر من عمرها ، رأيتها دؤوبة على تنظيم المنزل و تنظيفه و حتى خارجه تجلب دلاء الماء ، و تعلق الغسيل على الحبل ، و تكنس الفضلات و الاوساخ في الاسطبل ، و تداعب الأبقار و الأغنام و الماعز ...
توقفت عن العمل عندما تناولت الغداء معنا و بمعية والدتها أحضرت طاولة الطعام ، ولم تنبس بنية شفة إلا عندما تسأل ، و إذا تكلمت احمرت وجنتاها من الخجل و أظهرا جمالها الذي تركع له الدنيا .
ولما أكملنا الطعام أمرتها والدتها أن تحضر إبريق شاي يهضم ما أكل ، و يفتح باب الدردشة على مصراعيه .
وبادرت بالكلام لما أعدت بشرى الشاي فقلت : إذن بشرى تدرس ؟ و في أي سنة ؟ و كيف تتنقلين لتصلي إلى المدرسة ؟ و من يوصلك؟ و مع من تترافقين؟ كانت أسئلتي كالتخمة على الجسم إذا بالغ في الأكل بنهم .نعم هذا ما رأيته على محيا بشرى ووالدتها فسرعان ماردت : يا أسفاه على بناتنا في هذا الريف الذي يبعد عن المتوسطة بكيلومترات، سكان ريفنا الفتاة لا تبلغ من التحصيل العلمي إلا الابتدائي ، وعدا ذلك فلا يسمح لها . إذن مصيرها الأخير المكوث في البيت و الاهتمام بالأشغال المنزلية ؟ ردت الأم : نعم إلى أن يأتي من يطلب يدها للزواج أي فارس الأحلام . بقيت أحملق في نظرات بشرى الحزينة التي تصر على السفر بعيدا عن كلامنا .و كأنها تلوح بالنجاة من واقع تغلغلت في جذوره عادات و تقاليد ميتة ، لا تقر بحق البنت في التعليم ، و لا حقها في اللعب أو التمتع بطفولتها التي وئدت في عقل ريف ظالم .
لم يهدأ لي بال فقلت للأم كريمة : ألم تجتهدوا في إقناع أزواجكم بضرورة إكمال فتياتكن التعليم فهو مصباح مستقبلهن . قالت : نحن في حزن عليهن ، فلا نريد أن نراهن للبيت عبيد و لأنفسهن محرومات من نور العلم . لا نريد أن نراهن حالهن كحالنا من سجن مؤبد و هجر مبكر لمقاعد الدراسة إلى زواج بلا معنى .
شفني مارأيت في ذلك الريف و تيقنت أن الأمهات هن الأخريات في رحلة معاناة . لكنني أوصيت كريمة بأن تفكر في حل لبشرى التي تتقن عدة مهارات ، و اقترحت عليها أن تسجلها في المتوسطة عند أحد أقربائها فمن لم يدرس لم يغترف شيئا لبناء مستقبله .
وهيبة بتشيم ( الجزائر)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق